نحن في الأول من كانون الثاني-2009 ونحن الآن نعيش فترة تنخفض فيه أسعار المعادن الثمينة مقارنة بافتتاح بداية هذه السنة . في تداولات آسيا هذا اليوم استطاع الدولار أن يقلّص من ارتفاع الذهب أكثر حيث انخفض سعر الذهب مرّة أخرى هذا اليوم من مستوى 859.15 والذي حققه كأعلى سعر لتداولات هذا اليوم و وصل حتى لحظة كتابة هذا التقرير نحو مستوى 844.30 وما زالت التوقعات القصيرة الأمد واللحظية تشير إلى مزيد من الهبوط . في تداولات لندن يوم أمس انخفض سعر الذهب نحو مستوى 853.50 خلال الجلسة المسائية مقارنة بالسعر المعدّل للجلسة الصباحية عند 860.00 وكل التداولات في أغلبها منذ بداية هذه السنة تنتهي في جني أرباح و بيوع على الذهب تسبب هبوطه حتى مع كل محاولات الصعود وكان ذلك بسبب خيبة أمل المتداولين بعد أن لم يستطع السعر تحقيق أسعار فوق 890 و 900 دولار للأونصة .
شركات التحليل العالمية الشهيرة و البنوك تختلف في الآراء جدا ً حول توقعات سعر الذهب , إن أعلى توقعات للمحللين المعتمدين عالميا ً جاءت من شركة دالاس للسلع و شركة إم إف جلوبل التتان تتوقعان أن يصل سعر أونصة الذهب خلال هذه السنة نحو مستوى 1200 دولار بينما شركات مثل فينوتيس تشير إلى سعر 780 كسعر مرجعي للذهب هذه السنة إلا إن متوسط 20 محلل معتمد في العالم يشير إلى سعر 910 دولار للأونصة للذهب كسعر عادل لهذه السنة .
الفيدرالي الأمريكي والخزانة الأمريكية يضخون أموالا ً إلى الأسواق تفوق قيمتها 2 تريليون دولار أمريكي فيما البنك المركزي الأوروبي والخطط الحكومية الأوروبية تشير إلى مبلغ 1.2 تريليون دولار هذا والعديد من الدول أيضا ً تتسابق في ضخ سيولة نحو الأسواق . نحن في حرب ! حرب الأسواق المالية ’, هذا ما يشير إليه بعض الجهات الغير رسمية في العالم إلا إن ما نلاحظه يشير إلى ذلك بالفعل . فكل دولة تحاول رفع النقد فيها للحد من الأزمة الائتمانية محاولة ً تخفيض سعر عملتها لنقل آثار الأزمة الائتمانية الأسوأ منذ الكساد العظيم نحو آخر , ضخ السيولة الهائل في الأسواق المالية يشير إلى احتمال كبير في أن تنخفض القدرة الشرائية لسلة العملات الرئيسية خلال عام 2009 وهذا ما يعطي الذهب الصلاحية ليكون ملاذ ً آمنا ً من آثار انخفاض القدرة الشرائية والتي تشابه في تأثيرها تأثير التضخم .
تخفيض سعر الفائدة في العديد من الدول أيضا ً يسلب النقد قدرته الشرائية برفع السيولة في الأسواق , إن ارتفاع السيولة الكبير في القطاع المصرفي والأسواق عامة ً لها تأثيرات متصاعدة على التضخم الذي سوف ينطلق مباشرة بداية تعافي الاقتصاد الدولي من أزمته . هنالك بعض الخبراء يتوقعون أن يصل مستوى التضخم إلى 10% في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عام 2010 في حال تعافى الاقتصاد فعلا ً ونفض غبار الركود الاقتصادي هذه السنة , إن ذلك منطقي جدا ً بالفعل في ظل السيولة الكبيرة جدا ً وسعر الفائدة المتدني جدا ً في الأسواق الأمريكية وهذا ما قد يدفع في موجات شرائية عنيفة نحو المعدن الثمين .
من المتوقع أن ينخفض مستوى التضخم في الولايات المتحدة لأمريكية نحو مستوى 1.1% خلال الفترة القريبة القادمة مع استمرار مخاطر انخفاض الأسعار , كذلك الأمر في كل من أوروبا واليابان والمملكة المتحدة , الركود الاقتصادي في كل دولة إلى جانب توقعات صندوق النقد الدولي بأن يقع الاقتصاد الدولي في الركود تشير إلى إن الذهب قد ينخفض بمسببين اثنين هما انخفاض الطلب الاستهلاكي الذي يرافق الاقتصاد الدولي إلى جانب انخفاض الطلب الاستثماري بسبب انخفاض مستويات التضخم والتي ترفع القدرة الشرائية للنقد . من جهة أخرى فإن الانخفاض الكبير الذي يشهده سعر برميل النفط والثبات في مستويات ما دون 50 دولار للبرميل الواحد أيضا ً تعطي إشارة إلى إن سعر الذهب لن يرتفع كثيرا ً .
تضارب واضح في الآراء ونى بأن حجّة كل جهة مقنعة جدا ً و منطقية ومدروسة دراسة اقتصادية , المتغيرات التي لدينا الآن هي استمرار الأزمة الائتمانية و ركود الاقتصاد الأمريكي والأوروبي والياباني والبريطاني إلى جانب تباطؤ عنيف جدا ً في الاقتصاد الدولي وكل هذا يقود إلى احتمال انخفاض الذهب على المدى القصير فعلا ً بسبب انخفاض الطلب . من جهة أخرى إننا نرى بان استمرار انخفاض التضخم في الدول يشير إلى احتمال انخفاض سعر الذهب على المدى القصير والمتوسط على الأقل . أما المدى الطويل لنتركه الآن حتى تتضح لنا مزيد من المعالم والمستجدات في الاقتصاد الدولي !